التحكيم في تسوية منازعات العقود النفطية

 

التحكيم في تسوية منازعات العقود النفطية

م. م. أنعام عودة ثجيل

arbitration in settling disputes of oil contracts

AneamAodathajil

Imam Kadhim College of Islamic Sciences

 

 


 


الملخص :

عرف التحكيم عبر التاريخ كوسيلة لفض المنازعات الفردية والجماعية في نطاق المعاملات التجارية والدولية الا انه في الفترة الاخيرة وفي ظل النظام العالمي الجديد اكتسب اهمية بالغة خصوصا في ظل التقدم العلمي في وسائل الاتصال وحجم المبادلات بين الدول لما يمتاز به من سهولة في اجراءاته وتحرره من القيود والتعقيدات الموجودة في النظم الاخرى اضافة إلى تجاوبه إلى متطلبات التعاملات الدولية وقد ارتبط التحكيم بفكرة التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الاجنبية وخصوصا في مجال الاستثمارات النفطية التي تحتل اهمية سياسية واقتصادية وتجارية فهو المعدن الاستراتيجي ويعود اليه الفضل في التقدم الذي احرزه الانسان في نواحي الحياة المختلفة لهذا حرص في اغلب العقود النفطية على تضمين شرط التحكيم كوسيلة لحل المنازعات التي ممكن ان تنشأ بين الطرفين مستقبلا وذلك لما له من مميزات تجعل افضل من الوسائل الاخرى من حيث السرعة في انجازه والسرية التي تستوجبها العقود النفطية وكفاءة المحكمين نظرا لطبيعة هذه العقود التي تحتاج إلى خبرات فنية دقيقة قد لا تواجد في الوسائل الاخرى.

Summary

Historically, arbitration has been known as a means of resolving individual and collective disputes in the scope of international and commercial transactions. However, in the recent period, under the new world order, it has become very important, especially in light of the scientific progress in the means of communication and the volume of exchanges among States. In addition to its response to the requirements of international transactions. The arbitration was linked to the idea of economic development and attract foreign investment, especially in the field of oil investments, which occupies political, economic and commercial importance, it is the strategic metal This is due to the progress made by man in various aspects of life. This is keen in most oil contracts to include arbitration clause as a means of resolving disputes that may arise between the two parties in the future because of its advantages make better than other means in terms of speed in the completion and confidentiality required by Oil contracts and the efficiency of arbitrators in view of the nature of these contracts, which require accurate technical expertise may not exist in other means.           


 

المقدمة

أولاً: موضوع البحث

يعد القضاء هو الطريق الطبيعي لفض المنازعات التي تثور بين الافراد واقرار العدالة في المجتمع ولكن مع تقدم الحياة الاقتصادية والتغيير في انماط العلاقات التجارية ظهرت وسائل اخرى اختيارية يلجأ اليها الاطراف بمحض ارادتهم لفض المنازعات التي تنشأ بينهم بدلا من لجوئهم إلى نظام التقاضي امام المحاكم التي تنظمها الدولة ومن اهم هذه الوسائل الاختيارية نظام التحكيم الذي يعد السبيل الاكثر قبولا لدى اطراف العقد لكونه الوسيلة المثلى لفض تلك المنازعات وقد ارتبط التحكيم في السنوات الاخيرة بفكرة التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الاجنبية لذلك بات التحكيم يقدم على انه نظام عالمي لفض المنازعات التي قد تنشأ عن عقود الدولة ذات الطابع الدولي والوسيلة الاكثر قبولا بين الاطراف المتعاقدة وذلك لما يتميز به من خصاص جعلته يفرض نفسه بقوة ويتفوق على كثير من الوسائل الاخرى بما فيها القضاء ولقد انتشر استخدامه بشكله المتقدم منذ زمن ليس ببعيد خصوصا في عقود الدولة النفطية وكان لاًصرار الطرف الاجنبي – الطرف القوي –المتعاقد مع احد الاشخاص المعنوية العامة على اللجوء اليه دور كبير في ذلك حيث انه يصر عيله بسبب ما يدعيه من عدم حياة قضاء الدولة المتعاقدة وترتب على ذلك ان ادراج شرط التحكيم في العقود النفطية قد اصبح شرطاً مألوفا تتضمنه غالبيتها.ومن اهم هذه العقود التي تبرمها الدولة مع الاطراف الاجنبية هي عقود النفط أو ما تسمى عقود التراخيص النفطية التي تبرمها الدولة المنتجة للنفط مع الاشخاص الاجنبية ولما كانت عقود النفط هي الوسيلة التي تسعى من خلالها الدول المنتجة له ان تدعم اقتصادها الوطني وتحقيق التنمية الاقتصادية للحصول على اكبر قدر من الرفاهية والتنمية للمجتمع في مقابل الشركات النفطية المختصة التي تسعى ان تحصل على اكبر قدر ممكن من الارباح من خلال هذه العقود وكون هذه العقود تتضمن على جواب متعددة مما قد تتولد عنه منازعات تتطلب تسويتها بالطرق القانونية أو بالاتفاق في العقد على صيغة تسوية هذه المنازعات التي قد تنشأ مستقبلاً ولكون الطرف الثاني الاجنبية هو الطرف القوى في العقد ولعدم قناعته غالباً بقضاء الدولة فان يفرض حتماًإدراج شرطاًفي العقد يتضمن اللجوء إلى التحكيم في حدوث اي نزاع حول بنود العقد بين الدولة الطرف الاجنبي المتعاقد معها .

ثانياً: اهمية البحث

إن دراسة التحكيم في العقود الدولةالنفطية تستمد اهميتها من الدور الذي تؤديه في اقتصاديات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء وذلك لارتباط الدول في كثير من الاحيان بعقود مع شركات اجنبية وتعد هذه العقود الركيزة التي من خلالها يتم بناء هيكلها الاقتصادي وتنظيم بنيتها الاساسية وادارة مرافقها العامة على نحو يجعل من هذه العقود عالماً حيوياً ورئيساً في تحقيق خطتها الاقتصادية لاسيما في عقود النفط ذات الطابع الحيوي لكل بلد من حيث تطوير وتعديل عدم التوازن الذي قد يحصل فيها .

ثالثا : مشكلة البحث

بما ان موضوع البحث ينصب على عقود ادارية دولية وان اطرافه ليس في مركز قانوني متساوي حيث ينتمي كل منهما لنظام قانوني مغاير عن الاخر فاحدهما يمثل الدولة والاخر يمثل شخصاًأجنبياً تابع لدولة اخرى ولكل منهما أهدافه التي تختلف عن الاخر حيث تسعى الدولة إلى تحقيق اهداف عامة من خلال ممارستها سلطتها العامة والطرف الثاني وهو الشركة الاجنبية تسعى إلى تحقيق اهداف خاصة تتمثل بالربح ولما كانت العقود النفطية من اهم العقود التي تبرمها الدولة مع الشركات الاجنبية وتأثر هذه العقود بالتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحصل اثناء تنفيذ العقد مما قد ينشأ عن ذلك منازعات بين الطرفين مما يتطلب بيان القانون أو النظام القانوني الاكثر ملاءمة للتطبيق على هذه المنازعات وماهي الوسائل التي تتم الاشارة اليها في عقود النفط لتتم من خلالها تسوية المنازعات التي تنشا بين الطرفين اهي طريقة ودية ام طريقة قضائية ام التحكيم وماهو السبب في كون التحكيم اكثر الوسائل انتشاراً لتسوية منازعات النفط وماهي الحلول في حالة امتنع احد الطرفين عن تنفيذ الاحكام التحكيمية وما هو موقف عقود النفط العراقية القديمة والجديدة من ممارسة التحكيم فيها .

رابعاً: منهجية البحث

سوف نعتمد في دراسة البحث على المنهاج التحليلي الوصفي للنصوص والتشريعات والاتفاقيات المعتمدة بهذا الخصوص .

خامساً: خطة البحث

سوف نقسم خطة البحث إلى مبحثين وفق مطلبين في كل مبحث وفرعين في كل مطلب وفقأ للتقسيم الاتي :

المبحث الاول : مفهوم التحكيم واجراءات اصداره وتنفيذه

المطلب الاول : تعريف التحكيم وانواعه

الفرع الاول :تعرف التحكيم

الفرع الثاني : انواع التحكيم

المطلب الثاني :اجراءات التحكيم و اصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه

الفرع  الاول : اجراءات التحكيم

الفرع الثاني : اصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه

المبحث الثاني :موقف النظام القانوني في العراقي من التحكيم ومدى ممارسة في عقود النفط العراقية

المطلب الاول : التحكيم في النظام القانوني العراقي

الفرع الاول :  موقف النظام القانون العراقي من التحكيم في ظل التشريعات العراقية

الفرع الثاني : موقف العراق من التحكيم في ظل الاتفاقيات الاقليمية والدولية

المطلب الثاني :مدى ملاءمة التحكيم كطريقة لتسوية منازعات عقود النفط

الفرع الاول : مبررات اللجوء إلى التحكيم في عقود النفط

الفرع الثاني : مدى ممارسة التحكيم في عقود النفط العراقية

الخاتمة :

اولا : النتائج

ثانيا : التوصيات

المبحث الاول

مفهوم التحكيم

يعد التحكيم احدى وسائل حسم المنازعات وهو طريق استثنائي ويقوم على ارادة الاطراف حيث يلجأ اليه الخصوم لحل النزاع دون اللجوء إلى المحكمة المختصة والتحكيم وسيلة قديمة حيث كان في شكله البدائي هو الوسيلة المعتمدة لحل المنازعات بين الخصوم كما تعد بداية الوظيفة القضائية وظيفة تحكيمية الا ان اهميته قد ازدادت حديثًاً بعد انشاء الأمم المتحدة عام 1945 ([i]).

كما أن التحكيم من اهم الوسائل والطرق البديلة لحسم المنازعات التي تنشأ عن طريق التجارة الدولية بل من ابرز السمات المتعلقة بتلك التجارة كما ان امتداد مجال التحكيم واتساعه ليشمل انواع من المنازعات لم يكن يشملها من قبل ومن بينها العقود الادارية تلك العقود التي تكون الدولة والاشخاص الاعتبارية العامة أطرافاً فيها والتي لم يكن من المتصور ان تقبل الدولة في ترك امر حسم منازعاتها للتحكيم بدلا من القضاء الوطني الذي عهدت اليه النصوص القانونية بان يكون صاحب الاختصاص الاصيل في فضها كما ان العقود الادارية الدولية المبرمة بين الادارة والمتعاقد الاجنبي معها تثير مشاكل تنجم عن عدم تكافؤ في المراكز الاقتصادية ([ii]).

الا ان بسبب حاجة الدول إلى الاستثمار الاجنبي لكونه يستطيع ان يلعب دوراًأساسياً في عملية تنمية الدول المضيفة له فهو يمكنها من استغلال مواردها الطبيعية كما يسهم في تنميةوفي الآونة الاخيرة تزايدت اهمية التحكيم نظرا لتزايد العلاقات الاقتصادية وتنوعها وتشابك تلك العلاقات حتى وصلت إلى درجة من التعقيد لذا تلزم اغلبية الاتفاقات الاطراف باللجوء إلى التحكيم الدولي بوصفة احدى وسائل التسوية السلمية اذا ما اخفقت وسائل اخرى في تسوية النزاع([iii]).

لهذا سوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين نبين في المطلب الاول تعريف التحكيم وانواعه ونخصص المطلب الثاني لبيان اجراءات اصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه.

المطلب الاول

تعريف التحكيم وانواعه

يقتض دراسة هذا المطلب تقسيمه إلى فرعين  نبين في الفرع الاولى تعريف التحكيم ونبين في  الفرع الثاني انواع التحكيم.

الفرع الاول: تعريف التحكيم

التحكيم لغة : هو التفويض في الحكم ، فهو ماخوذ من حكمة واحكامة فاستحكم اي صار محكما في ماله تحكيما اذ جعل الحكم فاحتكم عليه في ذلك ،وحكموه بينهم ، امروه ان يحكم بينهم ويقال حكمنا فلانا فيما بيننا ،اي اجزنا حكمة بيننا فهو جعل الحكم فيما لك لغيرك يقال حكمته في مالي اذا جعلت اليه الحكم فيه([iv]).

التحكيم اصطلاحا : لقد اختلف تعريف التحكيم في التشريع والفقه حسب الزاوية التي ينظر اليه منها حيث تركز بعض العريفات على الطبيعة الرضائية للتحكيم والبعض الاخر على صور التحكيم والاخر على استبعاد القضاء من نظر هذه المنازاعات  والاخر على اقرار المشرع بجواز التحكيم لذلك سيتناول الباحث تعريف التحكيم في التشريع والفقه.

 أولاً: تعريف التحكيم في التشريع

عرف المشرع الفرنسي التحكيم بانه اجراء خاص لتسوية الخلافات بواسطة محكمة تحكيم يعهد اليها الاطراف بمهمة القضاء فيها بمقتضى اتفاق تحكيم([v]).

وقد عرفه المشرع المصري في المادة العاشرة من القانون (27) لعام 1994 بانه اتفاق الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن ان تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية واضافت المادة ذاتها انه يجوز ان يكون اتفاق التحكيم سابقا على قيام النزاع سواء قام مستقلا بذاته أو ورد في عقد معين بشان كل أو بعض المنازعات التي تنشا بين الطرفين كما يجوز ان يتم اتفاق التحكيم بعد قيام النزاع ولو قد اقيمت في شانه دعوى امام جهة قضائية اما المشرع العراقي لم يكن بعيداً عن ذلك فقد اكتفى بالنص على جواز التحكيم في نزاع معين وكذلك الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين ([vi]).

ثانيا : تعريف التحكيم في الفقه

هناك عدة تعاريف للتحكيم في الفقه منها :

بانه نزول الخصوم عن الالتجاء إلى القضاء والتزامهم بطرح النزاع على محكم أو اكثر ليفصلوا فيه بحكم ملزم للخصوم ، كما عرفه جانب، فقهي اخر بانه احتكام المتخاصمين إلى شخص أو اكثر لفصل نزاعاتهم أو التي ستقوم ،وعرفه البعض بانه اجراء يتفق بمقتضاه الاطراف في نزاع معين على اخضاع خلافاتهم لمحكم يختارونه ويحددن سلطانه للفصل بينهم مع تعهدهم بقبول الحكم التحكيمي الذي يصدره ويعتبرونه ملزماً ([vii]).

وعرفه البعض الاخر بانه (رغبة الطرفين في عدم عرض النزاع على القضاء المدني في الدولة ورغبتهم في اقامة محكمة خاصة بهم يختارونها هم بأنفسهم ويحددون لها موضوع النزاع والقانون الذي يرغبون في تطبيقه بينهم فالمحكم ليس قاضياً مفروضا على اطراف النزاع وانما هو قاض مختار بواسطتهم بطريق مباشر أو غير مباشر([viii]).

أو هو وسيلة مقبولة لحل الخلافات من خلال طرف ثالث في علاقات قانونية وذلك لما يتمتع به من استقلال وسرعة وسرية مطلوبة ([ix]).

وعرفه الاستاذ رينيه دافييد بانه تقنية ترمي لحل قضية أو مسالة بروابط بين شخصين أو اكثر بواسطة محكم أو محكمين يستمدون سلطاتهم من اتفاقية خاصة ويحكمون على اساس هذه الاتفاقية دون ان يكونوا متولين بهذه المهمة من قبل دولة ما([x]).

ومن خلال التعاريف السابقة يمكن ان نعرف التحكيم بانه اتفاق بين طرفين عقد ما على احالة ما تنشأ من خلافات بخصوص العقد ولم يمكن حلها ودياً إلى جهة تحكيمية وفق شروط معدة مسبقا من قبل اطراف العقد .


 

الفرع الثاني: انواع التحكيم

ينقسم التحكيم إلى عدة انواع فمن حيث الزاميته ينقسم إلى تحكيم اختياري وتحكيم اجباري ومن حيث الجهة التي تتولى الفصل في النزاع إلى تحكيم حر وتحكيم مؤسسي ومن حيث مكانه إلى تحكيم وطني وتحكيم دولي وكما يلي :

أولاً: التحكيم الاختياري والتحكيم الاجباري

التحكيم الاختياري:

هو الغالب في المنازعات الدولية وخصوصا النفطية منها وذلك لكنه يكفل تحقيق الثقة للأطراف ويقصد به التجاء الاطراف المتعاقدة بسلطان ارادتهم الحرة المختارة بموجب الاتفاق إلى التحكيم حيث يختارون المحكمين وكذلك القانون الواجب التطبيق واجراءات التحكيم ويقوم التحكيم الاختياري على اساسين هما الارادة الذاتية الحرة للخصوم في اللجوء إلى التحكيم واقرار المشرع لهذه الارادة بذلك ([xi]).

التحكيم الاجباري:

فهو تحكيم مفروض على الاطراف حيث لايكون لإرادة الاطراف اي تدخل في اللجوء اليه وتوضع له قواعد تنظم احكامه وقد يفرض المشرع اللجوء إلى التحكيم ويترك إلى الخصوم حرية اختيار المحكمين وتعيين اجراءات التحكيم وتحديد القانون الواجب التطبيق. وفي مجال عقود النفط بشكل عام وعقد الخدمة النفطية بشكل خاص نجد ان اطراف العقد النفطي لهم الحرية في اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات التي تثور بمناسبة العقد المبرم بينهم ومعنى هذا ان التحكيم في هذه العقود يعد من قبيل التحكيم الاختياري مادام انه لم يكن مفروض عليهم وان ارادتهم قد اتجهت اليه ([xii]).

وتجدر الاشارة إلى انه عندما لايلزم المشرع أو اي قانون اخر الاطراف المعنية صراحة باللجوء إلى التحكيم لحل المنازعات أو عندما يلتزم هذا المشرع جانب الصمت بعيدا عن تحريمه الصريح فان التحكيم في هذه الحالات يكون اختياري([xiii]).

 

ثانيا :  التحكيم الحر والتحكيم المؤسسي.

التحكيم الحر :

وهو الاصل والصورة التقليدية له حيث يختار اطراف النزاع المحكمين في كل حالة وذلك دون التقيد بنظام دائم فيجري في حالات فردية ولايتم فيه اختيار هيئة دائمة وانا يلجا إلى اختيار محكم أو اكثر بعرفتهم والتحكيم الحر يعطي للخصوم حرية اختيار من يشاؤون من المحكمين مع تحديد القواعد والاجراءات التي يتبعونها وكذلك القانون الواجب التطبيق ومكان التحكيم وهوية المحكم اي هو تحكيم طليق من اي قالب جاهز مسبقا فهو خاص بحالتهم دون غيرهم ويتميز بانه اسلوب مثالي اذا تصدى له محكم كفء لحسم منازعات التجارة الدولية وهو قليل التكاليف ويحقق تسوية اكبر من التحكيم المؤسسي([xiv]).

التحكيم المؤسسي:

نظراً لأهمية التحكيم وتزايد انتشاره خاصة في مجال التجارة الدولية فقد قامت مؤسسات غالباً ماتكون من القطاع الخاص بوضع قواعد خاصة للتحكيم تتعلق بإجراءات التحكيم بما فيها تعيين هيئات التحكيم وفق شروط واحكام معينة نصت عليها تلك القواعد والهدف من ذلك هو تسهيل العملية التحكيمية وتيسيرها على الاطراف وضبطها بطريقة اصولية بالإضافة لمراقبة وادارة العملية التحكيمية من بدايتها من قبل مؤسسة التحكيم المعينة فاذا تمت احالة النزاع إلى التحكيم وفق قواعد احدى المؤسسات فان هذه القواعد تطبق على العملية التحكيمية ويلتزم بها الطرفين حتى لو لم يطلعوا عليها مسبقا كما تلتزم بها هيئة التحكيم بع تشكيلها ومن امثلة مؤسسات التحكيم ذات الصيت دوليا والتي يكثر اللجوء لها ، غرفة التجارة الدولية Lcc ومقرها باريس ومحكمة لندن للتحكيم الدولي LCLA ومقرها لندن والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار LCSLD ومقره واشنطن وفي الدول العربية توجد عدة مؤسسات تحكيم مثل مركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجارب الدول في مصر ومركز دبي للتحكيم الدولي في الامارات([xv]).


 

ثالثا : التحكيم الوطني والتحكيم الدولي.

التحكيم الوطني:

وهو الذي يتحدد على أساس النطاق المكاني أو الاقليمي ويجري داخل الدولة التي تلجأ الاطراف المعنية فيها وضمن حدودها وفي إطار سيادتها الوطنية إليه لحل المنازعات التي قد تثور بينها ويمكن تسمية هذا النوع من انواع التحكيم ايضا بالتحكيم المحلي ويطبق هذا النوع من انواع التحكيم في العاصمة للدولة المعنية أو في اي محافظة وغالبا مايجري هذا التحكيم اتجاه امور داخلية متعلقة بمجتمع الدولة سواء كانت الاطراف التي لجأت اليه اجهزة حكومية أو مؤسسات رسمية أو هيئات خاصة ([xvi]).

ويعتبر التحكيم وطنيًاً اذا تعلق بنزاع وطني في جميع عناصره ويعين له محكمون وطنيون يصدرون حكمهم داخل اقليم الدولة ووفقا لتشريعاتها الوطنية([xvii]).

التحكيم الدولي:

وهو الذي ينتمي بعناصره المختلفة لأكثر من دولة ويثير عدة صعوبات مثل القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم واجراءاته وموضوع النزاع وتحديد مكان التحكيم واسماء وجنسيات المحكمين وهذه لاوجود لها في التحكيم الوطني وهذا التحكيم يصعب تحديد انتمائه لدولة بعينها دون الدولة الاخرى وهناك عدة معاير لتمييز التحكيم الدولي عن غيره منها المعيار الجغرافي المتمثل في مكان التحكيم والمعيار القانوني المتمثل بتعلق التحكيم بتجارة دولية ويعتبر المشرع الفرنسي التحكيم دوليا اذا تعلق بمصالح التجارة الدولية في المادة 1492/مرافعات اما المشرع المصري فقد ربط الصفة الدولية بالصفة التجارية في المادة (3) من قانون التحكيم رقم (27) لسنة 1994 ([xviii]).

ولايكادأي عقد من العقود التجارة الدولية وخصوصا العقود النفطية يخلو من النص على احالة المنازعات الناشئة عنه إلى التحكيم ([xix]).


 

المطلب الثاني

اجراءات التحكيم و اصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه

يقصد بإجراءات التحكيم بمعناها الواسع هو السير بالعملية التحكيمية من بدايتها وحتى نهايتها بصدور حكم التحكيم وبالتالي انتهاء مهمة المحكم وبهذا المعنى تبدأ الاجراءات بأول خطوة يقوم بها المدعي للسير بالتحكيم سواء كان التحكيم مؤسسيا أو طليقاً فاذا كان التحكيم مؤسسيا تكون هذه الخطوة عادة تقديم طلب تحكيمي من المحتكم لمؤسسة التحكيم متضمناً البيانات التي تنص عليها قواعد التحكيم في المؤسسة ومنها اسم طالب التحكيم والمحتكم ضده وعنوانهما واسم المحكم الذي يعينه أو يرشحه للتعيين اذا كانت هيئة التحكيم ستشكل من ثلاثة محكمين ولم يكن هناك اتفاق على تعينهم وموجز عن النزاع وملخص الطلبات واذا كان التحكيم حراً أو طليقاً تبدأ الخطوة الاولى بطلب يقدمه المحتكم للمحتكم ضده بأخطاره أو غير ذلك أو للمحكمة أو لسلطة تعيين المحكمين حسب ما ينص عليه اتفاق الطرفين وعادة ما يتضمن هذا الطلب ملخصاً عن العلاقة القانونية والنزاع واسم المحكم الذي يعينه المحتكم في التحكيم المكون من ثلاثة محكمين طالبا من المحتكم ضده أو اي جهة اخرى ذات اختصاص تعيين المحكم الثاني خلال مدة معينة.

وبالمعنى الضيق يقصد بإجراءات التحكيم تلك القواعد الاجرائية الواجب اتباعها بعد تشكيل هيئة التحكيم من قبل الهيئة نفسها واطراف النزاع مثل تحديد مكان ولغة التحكيم وتقديم اللوائح والبيانات والجلسات والحضور والغياب وتنتهي هذه الاجراءات بوجه عام بصدور حكم التحكيم النهائي ، وفي العراق نصت المادة 265 من القانون المدني بانه /يجب على المحكمين اتباع الاوضاع والاجراءات المقررة في قانون المرافعات الا اذا تضمن الاتفاق على التحكيم أو اي اتفاق لاحق عليه اعفاء المحكمين منها صراحة أو وضع اجراءات معينة يسير عليها المحكمون واذا كان المحكمين مفوضين بالصلح يعفون من التقيد بإجراءات المرافعات وقواعد القانون الا ما تعلق منها بالنظام العام([xx])،لهذا سوف نقسم  هذا المطلب  إلى فرعين نبين في الفرع الاول ماهية اجراءات التحكيم نخصص الفرع الثاني لإصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه.

الفرع الاول: اجراءات التحكيم

أولاً: اتفاق الاطراف على التحكيم

انقسم فقهاء القانون في كل من البلاد العربية والاجنبية بين مؤيد ومعارض لشرط التحكيم في العقود والاتفاقيات وخصوصا في تسوية منازعات العقود النفطية الذي يعتبر طريق اختياري وهو اختيار طوعي من اطراف العقد ويختلف شكل الاتفاق بين الاطراف حول احالة المنازعات الناشئة عن العقد فقد يرد الاتفاق ضمن شرط في ذات العقد أو يتخذ شكل اتفاق مستقل عنه يبرم عادة بعد حدوث المنازعة كما قد يتحقق الرضاء من جانب الدولة المتعاقدة بالتحكيم بالنص على ذلك في قانونها الخاص بالاستثمار الاجنبي ويمكن ان يعتمد اسلوب التحكيم تطبيقا لنص وارد في معاهدة مبرمة بين الدولة المتعاقدة والدولة الاجنبية المتعاقدة معها واذا اقتصر شرط التحكيم على مبدا اللجوء إلى التحكيم من دون الخوض في التفاصيل اللازمة لانعقاد محكمة التحكيم وممارسة عملها فانه لابد من ابرام اتفاق لاحق للتحكيم يتناول هذه التفاصيل وهو ماحدث على سبيل المثال في قضية شركة ( ARAM CO) ضد السعودية حيث ابرما عام (1955) اتفاقا للتحكيم على الرغم من ان عقدها المبرم عام (1933) كان يتضمن النص على التحكيم ،اما اذا تضمن شرط التحكيم هذه التفاصيل فانه لاحاجةلابرام اي اتفاق لاحق للتحكيم ومثال ذلك ماحدث في قضية شركة (Sapphire )ضد ايران حيث اكتفى بشرط التحكيم الوارد في العقد المبرم بينهما ولم يكن هناك اي حاجة لابرام اتفاق لاحق للتحكيم([xxi]).

ومن الاجراءات التي يمكن ان يتفق عليها الاطراف في العقد المبرم بينهما مثلا مكان التحكيم ولغة التحكيم وفيما اذا كان تحكيم مؤسسي أو حر طليق وغيرها من الاجراءات وجرى العمل في التحكيم ان تدعو هيئة التحكيم الاطراف لجلسة تمهيدية في محاولة لاتفاق الجميع على الاجراءات أو يتم التوصل لهذا الاتفاق عن طريق المراسلات بين الهيئة والاطراف.

ثانيا :  تشكيل محكمة التحكيم

تشكل محكمة التحكيم عادة من ثلاثة محكمين يقوم كل طرف بتعيين محكمه ويقوم المحكمان بتعيين المحكم الثالث ويعتبر المحكم الثالث رئيس هيئة التحكيم والمرجح الذي يتوقف على رايه الحكم النهائي ،ولايوجد اسلوب محدد لاختيار المحكم البديل أو المحكم الثالث في الحالة التي لايقوم بها احد طرفي العقد بتعيينه في حالة تعذر اتفاق الطرفين أو محكميهما على تعيين المحكم الثالث فقد تكون هذه الجهة المخولة بتعيين المحكم الثالث أو البديل هي جهة وطنية تابعة للدولة المضيفة وهي اما ان تكون جهة قضائية أو سياسية الا انه في الغالبية العظمى من العقود وخصوصا في العقد والنفطية تعهد بمهمة اختيار المحكم الثالث أو البديل لجهة اجنبية أو دولية أو وطنية وتعهد اكثريتها بهذه المهمة إلى رئيس محكمة العدل الدولية أو نائب الرئيس في حالة كون الاول من رعايا احد طرفي العقد أو تعهد بها إلى محكمة العدل التابعة للجماعة الاوربية المشتركة أو غرفة التجارة الدولية أو رئيس المحكمة العليا في احدى الدول كالمحكمة الفدرالية السويسرية في لوزان أو محكمة كانتون في جنيف([xxii]).

ومن الاحالات التي تم احالتها إلى جهة قضائية هي عقد جيتي في الجزائر اختير رئيس المحكمة العليا في الجزائر وكذلك عقد تكساكو في اليونان 1968 حددت محكمة استئناف اثينا وكذلك عقد (ايراب) في العراق 1968 اختير رئيس محكمة التمييز([xxiii]).

حيث اصبح من المستقر عليه في عقود البترول ان يقوم كل طرف بتعين محكم في اثناء مدة محددة ثم يقوم المحكمان بختيار ثالث لهما قبل البدء في اجراءات التحكيم وتتراوح المدة التي يجب ان يتم في اثنائها تعيين المحكم من اتفاقية إلى اخرى الا انه يمكن القول انها تتراوح بشكل عام بين 15 يوما إلى 60 يوما([xxiv]).

ثالثاً:  مقر التحكيم

يقصد بمقر التحكيم المكان الذي سيجري فيه التحكيم والذي يتعن صدور الحكم النهائي فيه ولهذا المكان اهمية كبيرة بالنسبة لحكم التحكيم بشكل خاص فبعض القوانين نصت صراحة على ان حكم التحكيم يجب ان يصدر داخل الدولة والا اتبعت بشأنه القواعد المقررة لاحكام المحكمين الصادرة في بلد اجنبي ولايوجد لهذا النص مقابل في قوانين اخرى ، فاذا اتفق المحكم مع الاطراف على عقد جلسة الحكم في دولة اخرى وصدر الحكم في تلك فيعتبر الحكم اجنبيا ولايخضع بالتالي للقواعد القانونية المطبقة على احكام التحكيم الوطنية وللأطراف الاتفاق على مكان التحكيم وفي حال عدم اتفاقهم يكون للهيئة صلاحية تقرير هذا المكان على ان تأخذ بالاعتبار لكافة الظروف واكثرها ملائمة للأطراف وللهيئة كما يجب الملاحظة ان تحديد مكان التحكيم لايمنع الهيئة من عقد بعض الجلسات في غير ذلك المكان حسب الظروف مثل الاستماع لشاهد في مكان اقامته ومناقشة خبير اجنبي في الخارج لعدم تمكنهما من الحضور لمكان التحكيم أو لأي سبب مبرر اخر، والعبرة في معرفة مكان التحكيم هي للمكان الذي تم فيه التحكيم فعلا وصدر فيه حكم التحكيم بغض النظر عن المكان المحدد في اتفاق التحكيم([xxv]).

وفي عقود الاستثمارات النفطية نجد ان الدول تردد غالبا بقبول انعقاد محكمة التحكيم في اقليم دولة اخرى سواء كانت دولة المتعاقد الاجنبي أو دولة ثالثة ويرى بعض الفقهاء ان قبول الدولة المضيفة بذلك فيه انتقاص لسياتها خاصة اذا ترتب عليه خضوع اجراءات التحكيم لقانون مقر التحكيم لهذا نجد ان الاتجاه الحالي في عقود النفط النموذجية هو ان يكون مقر التحكيم في اقليم الدولة المضيفة الا انه من الناحية العملية ومن خلال المفاوضات بين الطرفين تصر شركات النفط الاجنبية على ان يكون التحكيم خارج اقليم الدولة المضيفة وفي حالة عدم النص على مقر التحكيم فان العقود تختلف في ذلك فمنها من يترك الامر لاتفاق الطرفين ومنها من يترك الامر لاتفاق المحكمين أو المحكم الثالث([xxvi]).

رابعا :  الاثار المترتبة على اجراءات التحكيم

يترتب على الشروع بإجراءات التحكيم في العقود التي تجريها الدولة وخصوصا في العقود النفطية وقف العمليات أو النشاطات أو التدابير التي ادت إلى نشوب النزاع اي انه يستتبع تلقائيا وقف التنفيذ من قبل الاطراف المعنية لجميع الاجراءات أو القرارات التي يدور حولها النزاع وغالبا مايكون ذلك في صالح الشركة المتعاقدة خصوصا في حالة ما اذا كان لجوئها إلى التحكيم هو تهربا منها من تنفيذ التزاماتها لهذا السبب نجد ان كثير من عقود استغلال النفط لاتأخذ بمبدأ وقف العمليات اثناء اجراءات التحكيم مثال ذلك مانصت عليه بعض عقود اقتسام الانتاج مثل عقدي ساموكو في سوريا واموكو في مصر على انه (الى ان يصدر قراراً أو حكما لصالح الطرفين لاتتوقف العمليات أو الانشطة التي دعت إلى التحكيم ) ومن الجدير بالذكر ان اتفاقيات شركات نفط العراق ونفط الموصل ونفط البصرة وكذلك عقد ايراب لم تتضمن مثل هذا النص([xxvii]).

خامسا :  القانون الواجب التطبيق على اجراءات التحكيم

لقد لعبت مسائل اختيار القانون الواجب التطبيق دوراً هاماً في ممارسات هيئات التحكيم فتطبيق النظام القانوني الصحيح هو مطلب اساسي لاصدار حكم تحكيمي شرعي والفشل في تطبيق القانون الصحيح والمناسب يعد افراطا في استعمال السلطة وقد يؤدي إلى ابطال الحكم الصادر([xxviii]).

ويثير موضوع تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع من الناحية الموضوعية اهمية كبيرة ليس فقط في حالة عدم وجود اتفاق بين اطراف النزاع على تحديده بل ايضا في حالة وجود هذا الاتفاق ([xxix]).

وحسب القواعد العامة في تنازع القوانين فان ارادة الاطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق قد تكون صريحة كالقول مثلا بان هذا القانون هو القانون الاماراتي أو العراقي وقد تكون ضمنية يستخلصها المحكم من الظروف مثل ان يكون محل ابرام العقد وتنفيذه في الامارات ويكون طرفا النزاع يحملان الجنسية الاماراتية بالإضافة إلى ان مقر عمل كل منهما في الامارات فيستخلص المحكم ان ارادة الطرفين اتجهت على تطبيق قانون الاماراتي ويقرر تطبيقه بالعمل([xxx]).

واتفاق الطرفين على تطبيق قانون معين قد يكون عند ابرام العقد وقبل النزاع وقد يكون بعد وقوعه بل يمكن ان يتم ذلك امام المحكم بعد البدء في التحكيم وفي الاحوال التي يجوز فيها الاتفاق على تطبيق قانون اجنبي يجوز للطرفين الاتفاق على تجزئة العقد وتطبيق اكثر من قانون عليه حيث ان تطبيق قانون معين على النزاع لا يمنع المحكم نفسة عند الضرورة من تطبيق قانون اخر على بعض اجزاء العلاقة القانونية الناجم عنها النزاع بل ربما يكون من الواجب عليه القيام بذلك والا كان حكمه معيبا مثلا ان يبرم عقد بين طرفين موطنهما المشترك في البحرين لتوريد مواد غذائية إلى الامارات ولا ينص العقد على القانون الواجب التطبيق حصل نزاع بين الطفين تمت احالته على التحكيم السوري في هذا المثال سيطبق المحكم القانون البحريني على حقوق والتزامات الطرفين استناداً لقواعد تنازع القوانين المعمول بها في سوريا ([xxxi]).

لذلك تلعب ارادة المتعاقدين دوراً محورياً في مجال القانون الدولي اما بوصفها وسيلة لنزع الرابطة العقدية من حكم القانون أو لإخضاعها لسلطانه وتعد الارادة ضابط الاسناد في قاعدة التنازع الخاصة بالعقود الدولية ولذلك يتعين على اطراف العقد اخضاعه للقانون الذي تتفق ارادتهم الصريحة على اختياره واذا سكت الاطراف عن الاختيار فيتعين البحث عن الارادة الضمنية عن طريق القرائن التي تدل على وجودها ويندر ان تخلوا عقود الدولة ذات الطابع الدولي من تحديد القانون الواجب التطبيق واغفال ذلك يثير الكثير من الخلافات الحادة بين الاطراف كان في مقدورهم تجنبها لو فعلوا ذلك حيث يحاول الشخص الاجنبي اخراج العقد من نطاق قانون الدولة المتعاقدة وفي المقابل تدافع الدولة عن خضوعه لقانونها الوطني باعتبار ان ذلك تعبير عن سيادتها ، وتكمن اهمية اختيار الاطراف المتعاقدة للقانون الوجب التطبيق ي انه يعطي للنصوص التعاقدية القوة التنفيذية ويعمل على تكملة النقص الوارد في هذه العقود ويحدد القواعد التي يتم بمقتضاها تفسيرها ويشكل حماية لمصالح كلا الطرفين ولقد اختلف الفقه والقضاء حول القانون الواجب التطبيق على عقود الدولة ذات الطابع الدولي فمنهم من عمل على ترجيح قانون الارادة ومنهم قال بتطبيق قانون الدولة المتعاقدة ومنهم من قال بتطبيق القانون الدولي العام ومنهم من اخضع هذه العقود للمبادئ العامة للقانون أو لقانون التجارة الدولية([xxxii]).

الفرع الثاني: إصدار الحكم التحكيمي وتنفيذه

يقصد بقرار التحكيم جميع القرارات الصادرة من المحكم التي تفصل بشكل قطعي في المنازعة المعروضة عليه سواء أكانت احكاما كلية تفصل في موضوع المنازعة ككل أو احكاما جزئية تفصل في شق منها وسواء تعلقت هذه القرارات بموضوع المنازعة ذاتها أو بالاختصاص أو بمسألة تتعلق بإجراءات ادت بالمحكم إلى الحكم بإنهاء الخصومة وترتيبا على ذلك فان القرار التحكيمي قرار يتم اصداره من قبل المحكم أو هيئة التحكيم ويكون فاصلا في النزاع أو في مسالة من المسائل الواردة في اتفاق التحكيم بقرار نهائي يرفع يد هيئة التحكيم عنه لذا لاتعد قرارات تحكيم القرارات الصادرة في غير الخصومة كقرارات تحديد زمان ومكان انعقاد محكمة التحكيم أو تأجيل الدعوى أو تلك المتعلقة بندب خبير وغيرها وذلك لان هيئة التحكيم لاتستنفذ ولايتها بها([xxxiii]).

وحكم التحكيم على غرار الحكم القضائي يجب ان يكون واضحا وحاسما وخاصة في منطوقة بحيث يبين بصورة لاتدع مجالا للشك الواجبات المفروضة على كل من الطرفين والحقوق المعطاة له وان يرد الحكم على كافة طلباتهما الموضوعية سلبا أو ايجابا والا كان عرضة للطعن به ([xxxiv]).

ومن الملاحظ ان قانون التحكيم اللبناني لسنة 1993 لم يختلف عن قانون التحكيم الفرنسي في شيء فيما يتعلق بالحكم التحكيمي سيما وان الصفة القضائية التي يتسم بها القرار التحكيمي تبرز بشكل واضح في هذا القانون فالقرار التحكيمي يجب ان يصدر نتيجة مداولة وان يكون معللا وان يصدر بالاكثرية وله قوة القضية المقضية بمجرد اصداره وبالإمكان الطعن به امام المراجع القضائية([xxxv]).

كما فاعلية التحكيم الدولي في مقابل التقاضي الوطني تقاس من حيث التنفيذ لقرارات هيئة التحكيم وهذا يتطلب وجود اجراءات ملزمة للاعتراف بهذه القرارات ليس على المستوى المحلي فحسب وانما على المستوى الدولي ايضاً ([xxxvi]).

وحكم التحكيم على غرار الحكم القضائي لابد ان يكون مستوفيا لشروط معينة بعضها تتعلق بشكل القرار والبعض الاخر يتعلق بموضوعه ، ومنها الكتابة حيث يجب ان يكون القرار التحكيمي مكتوباً فالكتابة شرط لوجود القرار وذلك لان صدوره شفاها لايتحقق به وصف قرار التحكيم ولايكتسب حجية الامر المقضي به ولايكون واجب النفاذ([xxxvii]).

وتصدر قرارات بالجماع في حالة اتفاقهم اما في حالة عدم الاتفاق فتقضي بعض العقود ان يصدر القرار بالاغلبية وتقضي عقود اخرى بان يكون قرار المحكم الثالث هو القرار النهائي اما اذا كان المحكم منفردا فان القرار لايصدر الا عنه كما تنص غالبية القوانين والقواعد التحكيمية([xxxviii]).

وبخصوص اللغة التي يكتب بها قرار التي يكتب بها القرار هي اللغة التي تستخدم في الاجراءات وهي التي يتفق عليها الاطراف واذا لم يتفقوا على لغة معينة فعندئذ يرجع إلى نصوص القواعد الاجرائية للتحكيم لمعرفة اللغة التي تستخدم في التحكيم ففي  بعض العقود النفطية في العراق مثل عقد التطوير والانتاج نص العقد على ان تكون لغة هي اللغة الانكليزية ، اما ما يخص المدة فان قصر المدة التي يجب ان يصدر القرار خلالها هي احد الاسباب التي ادت إلى ازدهار التحكيم في العقود الدولية حيث ان اغلب القواعد التحكيمية تحدد على المحكمين مدة معينة يجب ان يصدر القرار خلالها الا ان القاعدة العامة هي اعطاء الاولوية لاتفاق الطرفين في تحديد المدة التي تنتهي بانتهائها مهمة التحكيم([xxxix]).

أما ما يخص تنفيذ القرار التحكيمي فنود الاشارة هنا بان جميع القوانين تتفق على ان حكم التحكيم غير قابل للتنفيذ بحد ذاته وانما يجب اكساؤه الصيغة التنفيذية من الجهة القضائية المختصة والسبب في ذلك ان الحكم ليس صادر من جهة قضائية رسمية وانما عن جهة خاصة ليس لها القدرة القانونية على اجبار الاطراف على تنفيذ الحكم بل لابد من مساعدة جهة رسمية حسب ما ينص عليه القانون وهي جهة القضاء الرسمي في مختلف القوانين ،حيث ان المحكمة المعروض عليها الحكم للمصادقة والتنفيذ ليس لها البحث في اصل النزاع ثانية وانما تنحصر مهمتها بالمصادقة عليه مع الامر بالتنفيذ أو عدم المصادقة عليه والاصل ان تصادق على الحكم  مالم يتبن لها ان هناك ما يمنع تنفيذه مثل مخالفة النظام العام لكون موضوع النزاع مثلا لايجوز التحكيم فيه اصلاً ([xl]).

وتتضمن اغلب العقود وبالأخص العقود النفطية ما يمكن وصفة بمقومات تسهيل عملية تنفيذ الحكم التحكيمي وذلك من خلال شرط التحكيم أو من خلال اي بند اخر من بنود العقد فعلى سبيل المثال ،يوجد في  غالبية العقود النفطية بند خاص يتفق الطرفان فيه على ان يكون الحكم التحكيمي نهائيا أو باتا  أو ملزما للطرفين فقد نصت الفقرة (6) من المادة (37) من عقد الخدمة التقنية لحقل نفط الزبير لسنة 2010 على انه (يكون حكم التحكيم نهائيا وملزما لطرفي النزاع) الا ان السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال ما هو الاجراء الذي يتم اتخاذه اذا امتنعت الدولة المتعاقدة عن تنفيذ الحكم التحكيمي وان الجواب على هذه الحالة هو ان الامر يخضع إلى المبادئ العامة في القانون الدولي العام اذ ان هذه الحالة تشكل احدى الحالات التي يجوز فيها للشخص المتعاقد مع الدولة ان يلجا إلى الدولة التي ينتمي اليها بجنسيته للدفاع عنه عن طريق الحماية الدبلوماسية ، كما نصت المادة(53) من اتفاقية واشنطن لسنة 1965 للتحكيم المؤسسي ( يكون الحكم ملزما للطرفين ولايكون قابلا للاستئناف أو لأي طعن آخر) اضافة إلى ذلك اوجبت هذه الاتفاقية على الطرف الراغب في الحصول على الاعتراف بالحكم التحكيمي وتنفيذه على ارض الدولة المتعاقدة ان يعمل على تقديم صورة طبق الاصل من الحكم إلى المحكمة الوطنية المختصة في هذه الدولة كما الزمت المادة(45)  منها على الدولة المتعقدة ان تعتبر الحكم الصادر في نطاق هذه الاتفاقية بمثابة حكم نهائي صادر عن محاكمها الوطنية([xli]).

 

 


 



([i])المواجدة ، مراد محمود ،التحكيم في عقود الدولة ذات الطابع الدولي ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الطبعة الاولى ، 2010 ، ص19 .

([ii])حسن ، محمود نوري ، التحكيم في تسوية منازعات العقود الادارية الدولية ،دار الجامعة الجديدة للنشر، 2017 ، ص15 .

([iii])الاسعد، بشار محمد،الفعالية الدولية للتحكيم في منازعات عقود الاستثمار الدولية ،منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الاولى ، 2009 ، ص7 .

([iv])حياوي، نبيل عبد الرحمن، مبادى التحكيم ، المكتبة القانونية للتوزيع، طبعة منقحة ، 2007 ،ص25 .

([v])المواجدة ، مراد محمود، مصدر سابق ، ص21 .

([vi])حسن ، محمود نوري ، مصدر سابق  ،ص20 .

([vii])عبد الهادي ، بشار جميل، التحكيم في منازعات العقود الادارية ، دار وائل للنشر ، الطبعة الاولى ، 2005 ، ص12 .

([viii])المواجدة ، مراد محمود ، مصدر سابق ، ص22 .

([ix])  Diogo pignataro ,international arbitration in the oil and Gas indnstries , universidade federal do rio Grande do norte, brazil,2015 ,P.3, https://www.researchgate.net/publication.

([x])د. جعفر مشيمش ، التحكيم في العقود الادارية والمدنية والتجارية ،منشورات زين الحقوقية ، الطبعة الاولى ، 2009 ، ص39.

([xi])المواجدة ، مراد محمود ، مصدر سابق ، ص32 .

([xii])داغر، اسكندر،عقد الخدمة النفطي ،رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية القانون،2012،ص153 .

([xiii])عبد الهادي ،  جميل، مصدر سابق ، ص12 .

([xiv])المواجدة ، مراد محمود ، مصدر سابق ، ص34 .

([xv])حداد ، حمزة احمد، التحكيم في القوانين العربية ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ،الطبعة الاولى ، 2010 ، ص131 .

([xvi])عبد الهادي ، بشار جميل،مصدر سابق ، ص23.

([xvii])شبيب ، صباح عبد الكاظم ، النظام القانوني لعقد التطوير والانتاج النفطي في العراق ، رسالة ماجستير ، جامعة بغداد ، كلية القانون ، 2000 ،ص194 .

([xviii])المواجدة ، مراد محمود ، مصدر سابق ، ص37 .

([xix])منديل ، اسعد فاضل ، احكام عقد التحكيم واجراءاته، دار نيبور للطباعة والنشر ،الطبعة الاولى ،2011 ،ص99 .

([xx])حداد ، حمزة احمد، مصدر سابق، ص307

([xxi])فتاح ، كاوه عمر محمد ميرزا، النفط ومنازعات عقود استغلاله ، رسالة ماجستير، جامعة سانت كليمنتس العالمية ، كلية القانون ، 2010 ،ص 166.

([xxii])شبيب ، صباح عبد الكاظم، مصدر سابق ، ص200 .

([xxiii])فتاح ، كاوه عمر محمد ميرزا ، مصدر سابق ، ص 167 .

([xxiv])الانباري، علي عبد الرزاق علي ،اثر القانون الدولي العام في تطور عقود الامتيازات النفطية ، الطبعة الاولى ، دار الكتب والوثائق ،بغداد ،2010 ، ص111 .

([xxv])حداد ، حمزة احمد، مصدر سابق، ص327 .

([xxvi])شبيب ، صباح عبد الكاظم ، مصدر سابق ، ص201 .

([xxvii])فتاح ، كاوه عمر محمد ميرزا ، مصدر سابق ، ص 169 .

([xxviii])الاسعد ، بشار محمد ، مصدر سابق ، ص153 .

([xxix])د. جعفر مشيمش ، مصدر سابق ،ص174.

([xxx])حداد ، حمزة احمد ، مصدر سابق، ص362 .

([xxxi])المَصدرُ نَفسُهُ ، ص366 .

([xxxii])المواجدة ، مراد محمود ، مصدر سابق ، ص182.

([xxxiii])داغر ، شيماء اسكندر ، مصدر سابق ، ص160 .

([xxxiv])حداد ، حمزة احمد ، مصدر سابق، ص383 .

([xxxv])العنزي ، ممدوح عبد العزيز ، بطلان القرار التحكيمي التجاري الدولي ، منشورات الحلبي الحقوقية ، الطبعة الاولى ، 2006 ، ص 46 .

([xxxvi]) juan Agustin lentini, Arbitration of International Oil, Gas, and EnergyDisputes in Latin America, Colorado,2007,p-603.

([xxxvii])داغر ، شيماء اسكندر ، مصدر سابق ، ص161 .

([xxxviii])من ذلك ما نصت عليه المادة (270) من قانون المرافعات المدنية العراقي (1- يصدر المحكمون قرارهم بالاتفاق أو بأكثرية الآراء بعد المداولة فيما بينهم مجتمعين وطبقا لما هو مبين في هذا القانون ويجب كتابته بالطريقة التي يكتب بها الحكم الذي يصدر من المحكمة ،2-يجب ان يشتمل القرار بوجه خاص على ملخص اتفاق التحكيم واقوال الخصوم ومستنداتهم واسباب القرار ومنطوقه والمكان الذي صدر فيه وتاريخ صدوره وتواقيع المحكمين)،وكذلك نص المادة (213/5) من القانون الاماراتي والمادة (239) من القانون البحريني والمادة (527) من القانون السوري والمادة (202) من القانون القطري والمادة (507) من القانون المصري وكذلك نصت عليها اتفاقية واشنطن لحسم المنازعات الاستثمارية لسنة1965 .

([xxxix])شبيب ، صباح عبد الكاظم ، مصدر سابق ، ص205 .

([xl])حداد ، حمزة احمد ، مصدر سابق، ص505 .

([xli])داغر ، شيماء اسكندر ، مصدر سابق ، ص165 .

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Aspects de L’Arbitrage International auteur Jamel chahloul

التحكيم كآلية إجرائية في منازعات عقود الإستثمار